القضية الأهم التي طرحها الاحتفال باليوم الوطني هي "الانتماء" والمقصود بذلك ليس "الأحاسيس والمشاعر الوطنية" الذي يولدها كل فرد تجاه وطنه قدر ما هي "الرؤية" التي يختزلها الفرد تجاه وطنه. وهنا الإشارة تحديداً لما بات العالم العربي على الأخص يواجهه من تجاذب تيارين:
- الأول: "ما فوق- الدولة" – أي ذلك الذي يرى في الأمة أو الخلافة أو الوحدة العربية غاية نهائية وبالتالي يرى أغلب هذه التيارات أن شكل الدولة الحديث وبما هو موجود الآن إما فترة انتقالية أو شكل يجب تدميره في سبيل الوصول لهذه الغاية.
- الثاني: "ما تحت - الدولة" – أي ذلك الذي يحصر انتماءه ومرجعيته بالكامل للقبيلة أو العشيرة أو المذهب أو الطائفة ويجعل حدود الانتماء ضيقة وعنصرية لا تتسع للمشاركة.
الأزمة من بروز هذين التيارين هي السلبية التي يوجهها كلاهما للشكل الحديث للدولة. في حين يجب أن تكون الدولة هي المرجعية النهائية ويصبح الانتماء لهذه المرجعية غاية نهائية وقاسما مشتركا. هذه السلبية تتسبب في هدم الدولة إن لم يكن على الصعيد الفعلي فعلى الصعيد المعنوي وهو الأمر الأشد خطراً. ومن هنا تبرز أهمية التعامل مع قضية "الانتماء" بمعناها العميق لا على أنها مجرد ارتباط بدولة وجواز سفر وإنما بكونها إيمانا يجمع الناس على مصير مشترك تصبح "المواطنة" عنوانه. وإذ يجب الأخذ في الاعتبار عدة عوامل منها أن السعودية دولة حديثة وأن تجربتها التاريخية لم تتح لها بناء أي شكل حديث للدولة قبل تأسيسها وأن عدم احتلالها في عصور الاستعمار لم يتسبب في شحذ المفهوم الوطني كوسيلة لصد الاستعمار وغيرها من العوامل – إلا أن هذه الأمور لا يجب أن تتسبب في غض الطرف عن التقصير في العمل على بناء "مفهوم الدولة" في المملكة كما يجب أن تكون مرتكزة على شعارات "الانتماء الوطني" التي تَعبُر الانقسامات والمرجعيات المختلفة وتتقبل التقسيمات الثقافية وغيرها في آن معاً.
هنا تبرز أهمية فتح ملف "التجنيد الإجباري" في المملكة كبوابة عبور مستقبلية نحو بناء جيل جديد يعبر بمفهوم الوطنية نحو آفاق أرحب من المفاهيم الحالية ومما يؤسس لإرساء الوطنية بأعمال أكثر من مجرد "الكلام" أو "الشعارات". وقد ناقش كاتب هذه السطور في مقال سابق ("التجنيد الإجباري.. خيار المستقبل" الوطن عدد 2697 بتاريخ 17 فبراير 2008) هذه المسألة من منظار أن فوائد التجنيد تتعدى مجرد إرساء مفهوم الوطنية إذ إنها خطوة قد تساعد على حل العديد من المشاكل والتحديات الاقتصادية والاجتماعية التي تواجهها المملكة اليوم. فالتجنيد بمعناه الواسع ليس مجرد التعبئة العسكرية قدر ما هو ثقافة وتنشئة اجتماعية. الفكرة المطروحة هو تجنيد (الفتيان والفتيات) حديثي التخرج من الثانوية أو الجامعة لمدة عام واحد فقط وليس المحور الرئيس للفكرة هو التدريب على السلاح وبناء احتياطات عسكرية وإنما البعد الأكثر إنسانية لمسألة التجنيد. وبالنظر للمخزون الهائل من الثروة البشرية الشابة التي تتمتع بها السعودية (200 ألف خريج من الثانوية كل عام) يمكن للتجنيد الإجباري ولحياة الجندية أن تفتح الباب للكثير من الفوائد للدولة وللشباب على السواء ومنها:
على الصعيد الاجتماعي:
- زيادة قدرات التحمل والخشونة لدى الشباب إضافة للتربية البدنية والانضباط. - إرساء مفاهيم التربية الوطنية التي تفرضها حياة الجندية بعيداً عن الاستقطابات العنصرية والتحيزات المناطقية. - تدريب الشباب على الكثير من الضرورات الحياتية كالإسعافات الأولية والحرف اليدوية وغيرها مما يفيد في إيجاد جيل قادر على البناء والعمل والمساعدة في حالات الأزمات.
- إشراك الشباب في بناء الدولة وصيانتها حيث إن الكثير من الدول تعمد إلى الاستفادة من الشباب المجند (كأيد عاملة في مشاريع البنية التحتية) وتوجد لدى العديد من الدول كالولايات المتحدة ومصر فيالق عسكرية هندسية تعمل في أوقات السلم في هذه المجالات.
على الصعيد الاقتصادي:
- يمكن للتجنيد أن يرفع عن كاهل الدولة بعض الأعباء الاقتصادية، ومن ذلك نزيف التحويلات التي تقوم بها العمالة الأجنبية والتي يمكن في حال الاحتفاظ بها داخل الدولة أن تفيد الاقتصاد (فكل 1000 ريال ينفقها السعودي داخل الاقتصاد تنتج 1500 ريال أخرى في مقابل 450 ريالاً فقط للأجنبي) وهنا الإشارة لجملة من الأعمال المتعددة التي يمكن للمجند القيام بها مثل "تنظيف الشوارع" إضافة لما سوف يرسيه هذا العمل من إرساء خلق التواضع الاجتماعي المطلوب وقيام الشباب بالمحافظة على النظافة لأنهم سيدركون حينها قيمة وأهمية المحافظة على النظافة وعلى صيانة المرافق العامة للدولة.
- استفادة الشباب، إذ يمكن للتجنيد أن يترافق مع مكافآت مالية.
- المساعدة على حل مشكلة البطالة من خلال إجبار الشباب من خلال حياة التجنيد على تقبل فكرة العمل في بعض المهن أو من خلال توفير الكوادر المختلفة التي سيتم تدريبها خلال فترة التجنيد أو من خلال روح التنافسية التي ستنشأ بعد قيام الشباب بهذه الأعمال.
وإذا كانت الفكرة أعلاه ما تزال غير مكتملة النمو فإن نضجها رهن بتقبل المجتمع لفتح باب النقاش حولها بالجدية التي تتطلبها حيث إن الأمر يتعلق بمستقبل دولتنا سواء كانت هذه الفكرة في مصلحته أو لا. وتقبل الفكرة أو رفضها لا يجب أن يتم بناء على مجرد "نقاش عام" بل يجب أن يتم البدء في تبني دراسات علمية تناقش هذه الفكرة بكل موضوعية، ولعل مجلس الشورى يكون نقطة انطلاق جيدة في هذا الاتجاه.